أخبــارتقاريرنبض الساعة

بين الضغط الاقتصادي والعسكري.. ترامب يضيّق الخناق على طهران

يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمع بين استمرار الحصار البحري المفروض على إيران واحتمال شن جولة جديدة من الضربات العسكرية بالتنسيق مع إسرائيل، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في المفاوضات، وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية وتزايد المؤشرات على إبقاء الخيار العسكري مطروحًا.

ويستند هذا التوجه، وفق معطيات متداولة داخل واشنطن، إلى رهان على أن تشديد القيود التجارية والنفطية، بالتزامن مع التلويح باستخدام القوة، قد يرفع كلفة استمرار المواجهة على القيادة الإيرانية ويدفعها إلى إعادة حساباتها. لكن هذا المسار لا يعني أن قرارًا نهائيًا باستئناف العمليات العسكرية قد اتُّخذ، في ظل استمرار الاتصالات والتقديرات المتعلقة بتوقيت أي تحرك محتمل وأهدافه.

الضغط الاقتصادي بالتوازي مع الخيار العسكري

تراهن الإدارة الأمريكية على أن استمرار القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات الإيرانية، إلى جانب العقوبات الاقتصادية، سيزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويحد من قدرة طهران على مواصلة المواجهة بالوتيرة الحالية.

ويقوم السيناريو المطروح على استخدام الضغط الاقتصادي والتحرك العسكري ضمن مسار متزامن، بدلًا من الاكتفاء بأحدهما. وفي هذا الإطار، قد تستهدف أي جولة جديدة من الضربات تقليص القدرات الإيرانية على مواصلة المواجهة، بالتزامن مع تشديد القيود على صادرات النفط وحركة الملاحة المرتبطة بها.

وتسعى واشنطن، وفق هذا التصور، إلى الوصول إلى مرحلة تصبح فيها كلفة استمرار المواجهة بالنسبة إلى طهران أعلى من كلفة العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات في الملفات الخلافية.

وفي مؤشر إلى استمرار طرح الخيار العسكري، حذّر المبعوث الأمريكي توم باراك من احتمال شن ضربة أمريكية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، معتبرًا أن هذا الاحتمال وارد. كما أشار إلى أن ترامب أتاح لطهران فرصًا متكررة للتوصل إلى اتفاق، بينما استخدمت إيران مضيق هرمز ورقة ضغط في المواجهة.

وتعكس هذه التصريحات استمرار التباين بين مساعي الضغط على إيران من جهة، ومحاولات إبقاء باب التسوية مفتوحًا من جهة أخرى. كما أشار باراك إلى أن تغيير النظام الإيراني لم يعد في صدارة الأهداف الأمريكية، في تحول يسلط الضوء على احتمال تركيز واشنطن على تقليص القدرات الإيرانية وتغيير سلوكها بدلًا من السعي المباشر إلى إسقاط النظام.

ترامب يلوّح بعملية عسكرية جديدة

أبقى ترامب احتمال التصعيد العسكري قائمًا، بعدما قال خلال تجمع انتخابي في ولاية فلوريدا إن الولايات المتحدة قد تنفذ عملية جديدة ضد إيران، مضيفًا: «قد ننفذ عملية أخرى على غرار ملحمة الغضب»، من دون الكشف عن تفاصيل تتعلق بطبيعة العملية أو توقيتها.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطًا مرتبطة بأسعار الوقود، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، التي تشكل اختبارًا سياسيًا مهمًا لترامب وحزبه.

وتضع هذه المعطيات البيت الأبيض أمام معادلة معقدة؛ إذ يسعى الرئيس الأمريكي إلى إظهار قدرته على فرض أهداف واشنطن في المواجهة مع طهران، مع تجنب تداعيات اقتصادية قد تنعكس على الداخل الأمريكي وتؤثر في المزاج الانتخابي.

وكان ترامب قد قال خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا إن الحرب ستنتهي قريبًا، معربًا عن ثقته بقرب نهايتها، من دون أن يبدي اهتمامًا كبيرًا بالطريقة التي ستصل بها إلى خاتمتها. غير أن تلويحه بعملية عسكرية جديدة يشير إلى أن حديثه عن قرب انتهاء الحرب لا يستبعد بالضرورة تنفيذ جولة إضافية من الضربات.

إسرائيل تربط أي هجوم جديد بحسابات واشنطن

في المقابل، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن احتمال استئناف الهجمات على إيران قد يظل مطروحًا خلال المرحلة المقبلة. ووفق معلومات نُقلت عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، قد يحدث هجوم جديد بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، على ألا تتحرك إسرائيل منفردة في هذا السيناريو.

وبحسب هذه التقديرات، فإن أي عملية جديدة لن تؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني، بل قد تركز على إضعافه وتقليص قدراته. ويعكس ذلك احتمال تحول الأهداف العسكرية نحو إلحاق أضرار إضافية بالبنية العسكرية الإيرانية، بدلًا من إحداث تغيير مباشر في بنية الحكم.

ويظل الملف النووي أحد أبرز مصادر الخلاف بين الأطراف، في ظل تقديرات إسرائيلية بأن طهران غير مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي. ويحد هذا التباعد من فرص التوصل إلى تفاهم سريع، خصوصًا مع استمرار تمسك واشنطن وتل أبيب بمطالبهما، مقابل الموقف الإيراني.

ومع ذلك، تبقى توقيتات أي تحرك عسكري محتمل وأهدافه غير محسومة، في ظل ارتباط القرار بالتطورات الميدانية وحسابات الطرفين السياسية والعسكرية.

مخاوف أمنية من استهداف مسؤولين أمريكيين

بالتوازي مع التصعيد السياسي والعسكري، تصاعدت المخاوف الأمريكية بشأن احتمال استهداف دبلوماسيين ومسؤولين أمريكيين في الشرق الأوسط وخارجه، على خلفية معلومات استخباراتية تتعلق بمخططات يُشتبه في ارتباطها بإيران.

وتضمنت مذكرة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 23 أكتوبر، وموجهة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، معلومات عن تكثيف جهود إيرانية محتملة لاستهداف مسؤولين أمريكيين، وسط حديث عن وصول بعض المخططات إلى مراحل متقدمة. وأكد مسؤول أمريكي صحة المذكرة، مشيرًا إلى أن واشنطن تراجع باستمرار المعلومات الأمنية المتعلقة بالمنطقة.

وتشمل هذه التقييمات، بحسب المسؤول، التهديدات المنسوبة إلى إيران وهجمات الحوثيين، عند اتخاذ قرارات بشأن أعداد الموظفين في السفارات والبعثات الدبلوماسية الأمريكية. كما تُدرس المعلومات الجديدة لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تعديل أعداد العاملين في البعثات التي تخضع لإجراءات مغادرة إلزامية.

وتُعد هذه المخاوف أحد العوامل المرتبطة بتقليص أعداد الموظفين في بعض السفارات الأمريكية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع مخاوف من احتمال توسيع الحوثيين، المدعومين من إيران، نطاق هجماتهم إلى دول أخرى في المنطقة.

قرار التصعيد بين الضغط والتفاوض

تتداخل في الحسابات الأمريكية ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار الحصار البحري والضغوط الاقتصادية، وإبقاء الضربات العسكرية خيارًا متاحًا، وتشديد الإجراءات الأمنية تحسبًا لاتساع نطاق التهديدات الإقليمية.

وتراهن واشنطن على أن الجمع بين هذه الأدوات قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكن فاعلية هذا النهج ستتوقف على مدى تأثير الضغوط الاقتصادية والعسكرية في الموقف الإيراني، وعلى قدرة الأطراف على تجاوز الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي وأمن الملاحة.

وفي المقابل، قد يؤدي استمرار التلويح بالقوة إلى زيادة مخاطر المواجهة وتوسيع تداعياتها الإقليمية والاقتصادية، خصوصًا في ظل حساسية أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية.

وبين الرهان على انتزاع تنازلات عبر الضغط والتخوف من الانزلاق إلى جولة جديدة من الحرب، يبقى القرار النهائي بشأن التصعيد مرتبطًا بحسابات ترامب، والتطورات الميدانية، ومدى استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات تتيح العودة إلى مسار تفاوضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى